"فورين أفيرز": الانتصار في الرقة لن يدوم إلا ببقاء الولايات المتحدة هناك

في 14 من شهر يوليو (تموز)، اقتحمت قوات سوريا الديمقراطية (SDF)، التي يسيطر عليها الأكراد والمدعومة من التحالف بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، مدينة الرقة القديمة، العاصمة الفعلية للتنظيم الجهادي في سوريا. وعلى الرغم من أن المعركة في الرقة ستكون طاحنة دموية كحالها الآن، إلا أنها عندما تنتهي ستكون حجر الزاوية للتعاون الناجح والممتد لأعوام بين التحالف بقيادة أمريكا وقوات (SDF).

 

لكن المعركة ضد «داعش» لن تنتهي، وكذلك الأمر بالنسبة لالتزام الولايات المتحدة في سوريا. كما أن نهج واشنطن في محاربة تنظيم الدولة في سوريا، ولاسيما الشريك الكردي المحلي الذي اختارته، قد منح انتصارًا لا يمكن أن يستمر إلا مع بقاء الولايات المتحدة. وإذا نظر المرء إلى ما وراء مدينة الرقة والحملة المباشرة ضد تنظيم داعش، لوجد أن الصورة الاستراتيجية الأكبر مثيرة للذعر؛ فقد أعدت الولايات المتحدة نفسها لوجود غير محدود في الشمال السوري؛ أي وسط منطقة غير صديقة وغير مستقرة، دون طريق واضحة للمغادرة.

 

الحلفاء الأشداء

 

قوات سوريا الديمقراطية عبارة عن قوة سورية تقودها وحدات حماية الشعب الكردي (YPG)، والتي أقام التحالف معها شراكة تكتيكية ضد تنظيم داعش عام 2014. وفي عام 2015، ساعد الجيش الأمريكي في إعادة تسمية وحدات (YPG) وحليفاتها الأصغر التابعة لها مثل (SDF)، فيما يبدو على أنه محاولة لوضع المجموعة في حزمة أقل إثارة للجدل. كما يُذكَر أن وحدات (YPG) ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحزب العمال الكردستاني (PKK)، الذي أطلق حركة تمرد منذ عقود مضت في تركيا المجاورة؛ حليفة واشنطن والعضو في الناتو.

 

وأكثر من ذلك، تنتشر وحدات الحماية الشعبية ومقابلها المدني (PYD) حزب الاتحاد الديمقراطي في جميع أنحاء الكوادر المدربة على يد حزب العمال الكردستاني. ومنذ عام 2014 راقبت أنقرة توسّع المنظمة الإقليمي والعددي بعين الحذر مع تصديها لتمرّد حزب العمال الكردستاني المنتعش في تركيا.

 

وفي محاولة لاسترضاء تركيا، أصرّت إدارة أوباما على أنها لم تكن تزوّد بالأسلحة سوى العناصر العربية غير المثيرة للجدل من قوات سوريا الديمقراطية. إلا أن ذلك لم يقنع تركيا؛ ذلك أن كلًا من المسؤولين الأمريكيين والأتراك يدركون أن وظيفة هذه الوحدات العربية هي مساعدة وحدات الحماية الشعبية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية. ومن ثم في شهر مايو (أيار)، أعلنت إدارة ترامب أنها ستموّل وحدات (YPG) مباشرة في معركتها في الرقة.

 

 

وقد كانت شراكة واشنطن مع وحدات الحماية الشعبية مهمة؛ فوجود الولايات المتحدة في سوريا إنما كان للقضاء على داعش، وهذه الوحدات تبرعت في ذلك؛ فهي قوة عسكرية حماسية متماسكة ويمكن الاعتماد عليها. بينما البدلاء، ومن بينهم أولئك الذين نصّبتهم تركيا في المدة التي سبقت معركة الرقة، لم يكونوا كذلك.

 

إلا أنه ليس هنالك من وضوح يذكَر حول ما ستفعله الولايات المتحدة بعد انتهاء العملية وما الذي سيحصل لشراكتها مع وحدات (YPG). وأثناء جلسة حول العلاقات الأمريكية التركية في مايو (أيار)، وصف مسؤول وزارة الخارجية الأمريكية جوناثن كوهين علاقة واشنطن بوحدات الحماية الشعبية على أنها «مؤقتة، وقائمة على المعاملات وتكتيكية». وفي شهر يونيو (حزيران)، لم تكن المتحدثة باسم وزارة الخارجية ملتزمة بتلك العلاقات، إذ قالت: إن الولايات المتحدة قد رأت في قوات سوريا الديمقراطية «أفضل قوة لاستعادة السيطرة على مدينة الرقة»، بينما رفضت «تحديد افتراضات للمستقبل أو الدخول في تفاصيلها»، وقد أعطى وزير الدفاع جيم ماتيس إشارات مختلطة فيما يخص استمرار تسليح الولايات المتحدة لوحدات الحماية الشعبية بعد الانتهاء من معركة الرقة.

 

وحتى الآن، قامت الولايات المتحدة باستثمارات محدودة في برامج الاستقرار في المناطق التي استعادتها قوات سوريا الديمقراطية من تنظيم الدولة. بينما أكّد مسؤولون أمريكيون أنهم لن يستثمروا في عمليات إعادة إعمار أو بناء الدولة على نطاق واسع دون أن تكون هناك تسوية سياسية ذات مصداقية فيما يخص الحرب الأهلية السورية تحوّل نظام الرئيس السوري بشار الأسد إلى شريك مقبول في الدولة. إلا أن هذا النوع من التسوية الوطنية ليس وشيكًا، ما يترك لواشنطن خيارات غير مغرية.

 

 

طريق إلى السلام؟

 

تهدف الولايات المتحدة إلى هزيمة داعش، ولا تتمحور أهدافها حول تعزيز مشروع سياسي لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) أو الحصول على ملكية دائمة لجزء من سوريا. لكن يبدو أن واشنطن لا تستطيع إعلان الانتصار ومن ثم الانسحاب؛ فإذا اختتمت معركتها ضد داعش بصورة مفاجئة وانسحبت من الشمال السوري، ستقوم تركيا بالهجوم، أو هذا على الأقل ما أخبرني به مسؤولون أتراك. وسيلحق هذا الغضب العارم أضراراً جسيمة بكل من تركيا ووحدات الحماية الشعبية. ومن المؤكد أن مثل هذا النوع من الفوضى سيمنح داعش الفرصة لاستعادة مكاسب التحالف بقيادة الولايات المتحدة وعكس اتجاهها.

 

ومن الممكن أن نتخيل ترتيب تسوية بين نظام الأسد وحزب الاتحاد الديمقراطي، وذلك قد يضع القوات السورية والإقليمية ذات الصلة في توازن تقريبي ويسمح للولايات المتحدة بالخروج. وخلافًا للمعارضة الثورية، حدد حزب (PYD) عمدًا مطامعه السياسية تحت عتبة تغيير النظام. ونتيجة لذلك، حافظ الحزب ونظام الأسد على علاقات متوترة، لكن وظيفية، كما ظلّت المناطق الكردية والمناطق التي يسيطر عليها النظام متشابكة مؤسساتيًا واقتصاديًا.

 

من الناحية النظرية، من الممكن مواءمة موقف كل من نظام الأسد وحزب الاتحاد الديمقراطي والأتراك تقريبًا من خلال اتفاق بين النظام والحزب، اتفاقًا من شأنه أن يُبقي على نوع من الحكم الذاتي المحلي في المناطق الكردية، في حين يضمن وحدة وسلامة الأراضي السورية ويعيد تقديم سيادة مركزية للدولة تكون كافية لتهدئة المخاوف التركية. وحتى إن اعترضت تركيا على ذلك، قد تعين الاتفاقية قوة سورية روسية مشتركة لتقف على الحدود مع تركيا، قوة لن تكون تركيا راغبة في مهاجمتها.

 

 

أما من الناحية العملية، يبدو ذلك غير مرجح الحدوث على المدى القريب. ذلك أن الوفاق الحالي بين حزب العمال الكردستاني والنظام بعيد للغاية عن اتفاق كامل وأكثر موضوعية. كما قال لي مسؤولون أكراد: إن المحادثات التي ترعاها روسيا بين الطرفين لم تفضِ إلى أية نتيجة، ويلقون اللوم في ذلك على نظام الأسد الذي ما زال، بعد 6 أعوام من الحرب، متطرفًا وغير معقول ورافضًا الاعتراف بما يرونه «حقوقهم». لكن حزب الاتحاد الديمقراطي في المقابل غير مستعد لتقديم تنازلات ويبدو من غير المرجح أن يتخذ خيارات صعبة طالما أنه يتلقّى الدعم من الولايات المتحدة.

 

علاوة على ذلك، لا يوجد داخل الحكومة الأمريكية سوى القليل من الرغبة للعمل بنشاط من أجل الوصول إلى تسوية بين حزب(PYD) ودمشق، هذه التسوية التي ما تزال تعد مسمومة وخدمة لإيران. بالإضافة إلى ذلك، من المحتمل أن تكون عودة الدولة للسيطرة على الشمال الشرقي السوري غير متوافقة مع حملة الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش، ما سيعتمد على حرية القوات الأمريكية الخاصة لإنشاء القواعد والعمل في المنطقة.

 

وقد شجّع الدعم الأمريكي لوحدات الحماية الشعبية على رفض المبادرات الإيرانية، والحيلولة دون تأسيس طهران طريق إمداد من العراق إلى سوريا ولبنان عبر شمال شرق البلاد الكردستاني. وهناك القليل من الوضوح حول ما ستفعله الولايات المتحدة عندما ينتهي كل هذا.

 

لكن غياب اتفاقية ما يعني على الأرجح وجودًا أمريكيًا باقيًا ومفتوحًا في الشمال السوري، وهذا تقسيم فعلي سيُبقي سوريا وجاراتها في مأزق إلى أجل غير مسمى. وفي ظل هذا السيناريو، تصبح الولايات المتحدة ضامناً لوجود نصف دولة سورية كردية تعيق وتخلّ بتوازن أي شيء من حولها. وسيكون لهذه الدولة الحد الأدنى من المؤسسات والخدمات التي ترعاها الولايات المتحدة، والقليل جدًا من الاستثمارات لتطويرها وازدهارها. ستفتقر كذلك إلى الروابط المفتوحة والاقتصادية الفاعلة مع جيرانها، ومن بينهم كردستان العراق.

 

وبغية الحفاظ على السلام الإقليمي، سيتعين على واشنطن الاستمرار بمناشدة حزب العمال الكردستاني بعدم مهاجمة تركيا، التي ستكون بدورها محرَّضة بصورة دائمة، حتى وإن أثناها الوجود الأمريكي عن التدخل في الشمال الشرقي السوري. بيد أن أحد المسؤولين الأتراك حذّرني من أنه في حال نفّذ حزب (PKK) أو إحدى جماعاته المنشقة هجوماً كبيراً في تركيا، ستردُّ الأخيرة باستهداف مواقع لوحدات حماية الشعب (YPG) داخل سوريا. وفي نهاية المطاف، يبدو أن أنقرة ستتسبب، عن غير قصد، بإصابة أو مقتل أحد الأمريكيين الموجودين في نفس المكان مع حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات الحماية الشعبية؛ ما يهدّد التحالف الأمريكي التركي وينجم عنه خسارة في أرواح الأمريكيين.

 

نهاية مسدودة

 

وفي هذه المرحلة، سيكون تقسيم من هذا النوع أفضل النتائج المتاحة، إلا أنه ليس فكرة سديدة بمختلف المقاييس الموضوعية.



عودة للرئيسية