محمد مشينش: انبعاث قضية فلسطين في ضمير أبنائها في الخارج

تمر قضية فلسطين بوضع صعب وعلى أكثر من صعيد، فالوضع الداخلي يشهد حالة من الاستقطاب لم تشهدها قضية فلسطين طوال تاريخها، مع ما يحدث من حصار لأهلنا في غزة منذ عشر سنوات، ومحاولات الكيان الصهيوني تهويد القدس، والاستيطان البغيض، ناهيك عن حالة الضياع التي يعيشها أبناء فلسطين في الشتات، خصوصاً مَن تعرض منهم لاستهداف مباشر، كما حصل مع اللاجئين الفلسطينيين في العراق،

 

وما يحصل للاجئين الفلسطينيين في سوريا الآن، مروراً بالحالة الإنسانية المزرية لأهلنا في لبنان، وليس بعيداً عن حالة اللاجئين في الأردن، وخصوصاً القادمين من غزة، وعلى المستوى الإقليمي لم تعد قضية فلسطين على سلم أولويات المنطقة، بسبب ما يحصل فيها من ثورات للشعوب الباحثة عن الحرية، والمنطقة جميعها في حالة من الغليان يصعب معها سماع صوت فلسطين وسط أصوات الرصاص ورائحة البارود،

 

أما على المستوى العالمي فإن صعود ترامب سيشهد حالة من التعاطي السلبي مع قضية فلسطين، خصوصاً مع فريقه الصهيوني الذي اختاره لإدارة الولايات المتحدة الأميركية، وهذا سينعكس سلباً حتى على الصعيد الأوروبي الذي شهد حالة من الإيجابية في التعاطي مع قضية فلسطين بالعموم، وسيتأثر بلا شك بما سترسمه السياسات الأميركية المقبلة.

 

وسط هذه المعطيات يأتي دور الشخصيات والنخب الفلسطينية، ومن كافة المستويات، وبكافة الاختصاصات السياسية والمجتمعية والأكاديمية، في أن توجد حالة من الحراك الشعبي ينطلق من الخارج، كونه أبرز المناطق التي انعكست عليها المتغيرات السياسية في المنطقة، تقابلها القدرة على إحداث الأثر الذي بات صعباً في الداخل الفلسطيني، نتيجة الاستقطاب وتباين المشاريع.

 

وعند الكلام عن تحقيق الأثر فهذا لا يعني بالضرورة تغييراً في البنية السياسية المتحققة من التاريخ النضالي الفلسطيني بقدر ما يعني إيجاد حالة من الإنجاز الإيجابي التكاملي مع هذه الأجسام رغم القناعة أن لا معنى لوجود الهياكل التاريخية للشعب الفلسطيني دون حضورها في الأزمات، ولا معنى لها دون أن يكون لها شرعية تمثيلية متحققة بالأساليب الديمقراطية الحديثة، ورغم هذا وذاك فإن هذه المنجزات تستحق التمسك بها، وعدم التفريط بها، والسعي الجاد والحثيث لاستعادة دورها الحقيقي الذي أنشئت من أجله، والمتمثل في الحفاظ على الثوابت الفلسطينية، وعدم التفريط بها، وخدمة أبناء شعبنا أينما وُجدوا.

 

ليس بدعاً أن يتحرك أبناء فلسطين في الخارج، وأن يقيموا مؤتمراً في هذا التوقيت الصعب، فالحالة تستوجب أن يكون هناك حراك، وهذا هو رد الفعل الطبيعي على ما يجري من حولنا، وما سيحصل في مثل مؤتمرات كهذه هو ما نحتاجه في هذه المرحلة، فاللقاء والحوار وإنشاء الأطر الجامعة ذات الصبغة الوطنية العامة هي مخرج حقيقي للحالة التي نعيشها كفلسطينيين في الخارج،

 

وهو ما سينتج حالة وطنية يحتاجها السياسي الفلسطيني قبل غيره، مهما تغير أو تبدل لونه السياسي، فهو ميدان خارج حالة الاصطفاف، ومدى فوق الجغرافيا، وركيزة وطنية تنتصر لأبناء الشعب الفلسطيني في الخارج والداخل، فما يحتاجه أبناء شعبنا في الخارج وما يطمح لإنجازه فإنه بالنتيجة سيصب في صالح قضية فلسطين بالعموم، وأي إنجاز ذي طابع وطني عام هو دعامة جديدة من دعامات النضال الفلسطيني ومكسب لأهلنا في الداخل، فالخارج الفلسطيني هو امتداد للداخل وسند وعون له.

 

المؤتمر سيناقش وضع أبناء فلسطين في الخارج، وهو ما سيعكس بالضرورة وضع قضية فلسطين في الخارج، ومدى الاهتمام بها والتعاطي معها من زوايا مختلفة، شعبنا يحتاج أن يكون هناك حالة من المتابعة لشأنه الداخلي وهمومه وآلامه خارج الحسبة السياسية، شعبنا يريد مَن يحنو عليه ومَن يقف معه في محنته، عشنا ألم أبناء شعبنا الفلسطيني في العراق كيف تشتتوا إلى أكثر من 40 دولة حول العالم، وللأسف لم تُسمع صرخاتهم وأنّاتهم، وشعبنا في سوريا اليوم يعاني ويضطر لركوب قوارب الموت هرباً من الموت،

 

ويعيش مآسي ولا يجد جهة يلجأ لها تنادي بحقه وتنتصر لمظلمته، وليس بعيداً أوضاع أهلنا في لبنان وما يتعرضون له من ضغط معيشي يضطرهم في كثير من الأحيان للهجرة البعيدة، وكذا الحال مع معظم اللاجئين، أما مَن هم في البلاد البعيدة فلا أكثر من أزمة الهوية التي يعيشونها والبحث عن اللافتة التي تجمعهم.

 

شعبنا الفلسطيني بحاجة إلى حراك يضمن له علاقات طبيعية مع أنظمة الحكم في المنطقة، تضمن له العيش الكريم والطبيعي في دول اللجوء ومناطق توزيعه الجغرافي، علاقات عنوانها إنساني تضامني، علاقات لا هدف لها في كسب أوراق أكثر في المنطقة، علاقات لا تبحث عن إيجاد القدرة على إحداث التغيير في ساحة يتواجد فيها الفلسطينيون، علاقات ترسخ في ضمير أنظمة المنطقة وحكامها عدالة قضيتنا وتبعيتنا لوطننا فلسطين، وليس غير فلسطين.

 

إعادة انبعاث قضية فلسطين في ضمير أبنائها في الخارج هو العنوان الذي يجب أن نجتمع عليه في هذا المؤتمر، والذي سييجمع فلسطينيي الخارج من كافة القارات في مدينة إسطنبول في 25 و26 من فبراير/شباط الحالي، ويمكننا تحت هذا العنوان أن نجد كثيراً مما يمكن أن ننجز فيه، ونصوغ مشروعاً وطنياً فلسطينياً.



عودة للرئيسية